آخر الأخبار

شبهات عن الغلو عند السلفيين . ومنه مقتضيات من مقالات سابقة
إشاعة الغلو في الأمة الإسلامية قديم قدم هذه الأمة ، فأول الفرق نشوءاً في الإسلام كانتا فرقتين متقابلتين ممسكتين بطرفي الغلو ، وهما الشيعة والخوارج ؛ ونشوؤهما نشأة سريعة متكاملة يُرجِح ما ذهب إليه بعضُ الباحثين ومنهم علاء الدين المدرس في كتابه المؤامرة على الإسلام : أنه كان نتيجة مؤامرة محكمة من أعداء هذه الأمة ضُرِبت عليها نتيجة ضعف لدى المسلمين آنذاك في جانب المعرفة بالحركات السرية وأنشطتها في العالم ؛ وقد كان بَعْضُ اليهود على دِراية بتلك الحركات التي كانت تطمح إلى إدارة العالم ؛و الكثير مِنَّا كانوا يُكذِّبون ما يورده بعض من أرّخ للماسونية من العرب كأحمد عبد الغفور عطار وأحمد السقا أميني وعبد الرحمن عميرة وغيرهم من أنها نشأت بعد وفاة نبي الله سليمان في الهيكل أي دار العبادة الذي كانت تحكم البلاد من خلاله ؛وكان الماسون الأوائل يُظهِرُون أنهم يريدون حكم العالم ؛ والحقيقة التي نعرفها في أعصار ما قبل الإسلام والعصور الإسلامية :أنهم فشلوا فيما طمحوا إليه ، لكنهم نجحوا في إظهار الفساد في العالم منذ العهد الروماني ؛ كما نجحوا في قتل نبيي الله زكريا ويحيا عليهما السلام، ومن ثَمَّ نجحوا في ثَنْيِ بَنِي إسرائيل عن استقبال دعوة المسيح ؛ وما حل بالمسيحيين من تحريف الدين رسمياً بعد منتصف القرن الرابع الميلادي .
كل ذلك لا نُخلِي الماسونية من صناعته أو التسريع فيه أو التهيئة له ؛ ومن تفكر في أحداث التاريخ وجدها كلها تُشير إلى وجود مثل هذا النوع من التآمر ؛ فما السرعة التي لا تتناسب مع تعاليم الإسلام ومحاذيره التي وضعها في الناس وذلك في نشأة المذاهب الشيعية من رافضة إمامية وكيسانية وخشبية وغيرها بحيث لم تَنْقَضِ المائةُ سَنَةٍ الأولى إلا وكل هذه المذاهب مكتملة ، وبعضها لها إعلاميوها في ذلك الزمان وهم الشعراء كالكيسانية من الشيعة ،وشاعرهم كُثَيِّرِ عَزةَ ،والأزارقة من الخوارج ، وشاعرهم الطِرِمَّاح ؛ وهذا الاكتمال السريع في تلك الأجواء المعروفة بأنها أجواء تَدَيُّن شديد لا يَسمح بمثل هذه الخروقات في ظل حركة الجهاد القوية والتي لا يمكن أن يقف في وجهها سوى الانشقاقات الداخلية على أساس عقدي ، وهذا ما كان ؛ إذ وئدت بسهولة كل الانشقاقات التي كانت قائمة على أساس دنيوي ، فموسى بن نصير وطارق بن زياد رجعا من غرب إفريقيا ومن الأندلس فور استدعائهما من الخليفة ثم تعرضا لما تعرضا له من المصادرة والسجن ، وقال موسى رحمه الله إنه كان في منعة لو أراد البقاء ، وإنه لم يعد إلا كراهية الخروج على ولي الأمر ، وقتيبة بن مسلم لما أعلن انشقاقه على أساس شخصي قتلته فِئَتُهُ التي كان يعتمد عليها لأنهم ما خرجوا لهذا وما أخرجهم إلا الجهاد في سبيل الله تعالى ، ويزيد ابن المهلب وكذلك ابن الأشعث غَلَّفَا خروجهما بالضجيج من أجل الدين ، ثُمَّ صَدَّقَهُمَا الناسُ، وسرعان ما انكشف زيف دعواهما فلم يجدا من يلجئهما عنده حتى ولو كان عدواً للإسلام كرتبيل ملك الترك .
ولم ينجح سوى الخروجُ العباسي ذو النزعة الدينية الشيعية باستعمالهم الحَمِيَّة الفارسية لتحقيق هذه النزعة ، ومن فضل الله على المسلمين أن العباسيين كانوا أهل سنة ، فَلَمَّا انقضت حاجتهم من التشيع واستخدموه لإسقاط دولة بني أمية نبذوا شعارهم ظِهْرِيا ،وأكرموا أهل الحديث والفقه ،وولوهم القضاء والفتيا والتدريس في جميع مساجد الدولة الإسلامية .
وهم مع ذلك ظلوا مُبْتَلَين بالفكر الغالي الآخر ،من الخوارج الذين ظلوا يخرجون في وسط البلاد كثورة الوليد بن طريف ،وفي الأطراف كثورة عبد الوهاب بن رستم ، ولم ينقطعوا كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهم بأن آخرهم يخرج مع الدجال .
وتَسيُّدُ الشيعة في عصرنا ،وظهورُ الخوارج فيه، وأثر المؤامرة فيما حدث لا يخفى ؛ إلا أن إنكار بعضهم لها إما جحوداً لكونهم من هذين التيارين أو قريبين منهما ، أو جهلاً منهم بالأخبار الكثيرة التي تثبت تآمر اليهود ومن معهم من أعداء الدين على إبرازهما في هذا التاريخ ، أو سذاجةً لا يلتفت صاحبها معها إلى يمين أو شمال ، لذلك لا يعرف من العالم إلا ما يواجهه.
وهذا النوع من الناس ، أعني السُذَّج ، يسيؤن ولا يحسنون ، ولا سيما حينما يتولون الحكم أو الإشارة على الحاكم لأنهم لا يلتفتون سوى إلى ما تقع أقدامهم عليه ، ويتركون أصحاب البصائر
وما يُدْلُون به .
وكان الحكام ذوو البصيرة في زماننا قد وقفوا من إيران والخوارج موقفاً صُلباً أعاق مشروعهم الخمسيني كثيراً ، أما الحكام المغرضون والضعفاء فقد وطدوا لهم حتى هُيِّأَ لقادتهم أنهم ماضون في مشروعهم وزادهم ذلك غروراً وغطرسة وكِبْرَاً .
وجمرة التشيع اليوم لا تُوقِدُ ما حولها ؛ ويوشك أن ينحسر لهيبها على نفسها حتى تأكل بعضها ؛ فهل ستبقى على حالها ،أم ستحل بها أصابع التآمر وتحييها من جديد؟
أما جمرة الخوارج فقد انطفأت نارها بمَاءٍ من ههنا ومَاءٍ من هنالك ، فهل ستبقى دون أن يحييها فم التآمر ؟
والجواب أنه يجب علينا في هذا الأوان أن نتكلم عما نرى ، وإن كان الذي نراه في الأفق عارضاً متألقاً أو عاصفا مُمَزِّقَا. فما زلنا حتى هذا الوقت وحتى وقت قادم والله أعلم نعاني من وجود اليهود الصهاينة محتلين لجزء من البلاد العربية الإسلامية ،وهم يسعون لِيُظْهِرُوا للعالم أنهم أمة مظلومة مضطهدة ممن حولها بالرغم من كل ما يفعلونه فيما يملكونه أو يُمَلَّكون إياه من أسلحة ، ولا يزال الأمريكيون يقفون معهم بالرغم من عدم فائدتهم لهم بل وإضرارهم إياهم .
فمن جملة ما سوف يفعلونه إحياء الغلاة في الدين الإسلامي ، شيعةً وخوارج ، بل ومتصوفة أيضا ؛ نعم : فغلاة المتصوفة من ضمن المؤامرة على الإسلام التي فعلت فعلها في العصر السالف على إماتة الدين الحق في نفوس أهله ؛ وعاش الناس عند شيوعها ـ أي الصوفية ـ عصراً بائساً حتى كان انهيارهم أمام المحتل أمراً سهلاً ؛ ولم يبق من البلاد ممتنعاً على إلاحتلال سوى بلاد تمنعت بفهم السلف للإسلام كالبلاد السعودية ، أو بلاد تمنعت بجبالها وقلة فائدتها للمحتل كاليمن ؛ أما باقي بلاد الإسلام فهي إما صوفية غالية لم يستغرق المحتل في أخذها سوى أن أخذ قراره ، وإما شيعية كانت نعم الداعية والحاضنة للاحتلال ، وهي إيران .
فعودة التآمر اليهودي بإحياء رُسُلِهِ الثلاثة أمر لا أشك في أنه قادم لا محالة .
ولهذا فالعناية بمنهج السلف في فهم الإسلام أمر أراه من الواجبات الضرورية على المسلمين كافة ، وأخص من ابتلاهم الله أو شرفهم بقيادة العالم الإسلامي ؛ وذلك بحثهم على كَفِّ الحرب عن هذا المنهج والتي أشاعت الغلو في الأمة الإسلامية وهي حرب تنطلق من بلاد الإسلام حالياً وهو ما يدعو للأسف؛ ولا يُظَن بعدد من حكام المسلمين إلا أنهم راضون بهذه الحرب وربما مؤيدون لها ؛ وهم بذلك إنما يرضون بما يجلب البأساء لهم ولبلادهم . قال تعالى : ﴿وَاتَّبِعوا أَحسَنَ ما أُنزِلَ إِلَيكُم مِن رَبِّكُم مِن قَبلِ أَن يَأتِيَكُمُ العَذابُ بَغتَةً وَأَنتُم لا تَشعُرونَ﴾ [الزمر: ٥٥]
وحين أقول : إن حربهم على منهج السلف أشاعت الغلو في الأمة فأنا أعني الغلو الحقيقي الذي يعاني منه كل من هو ضد هذا المنهج القويم الذي هو الإسلام الصحيح ، فقد شاع بين المتصوفة عداوة حقة للمسلمين جعلتهم يحملون السلاح وربما لأول مرة في تاريخهم ولكن ضد من ؟ ضد المسلمين ، وكذلك الأمر في من ينتسبون إلى الأشعرية والماتوريدية ، أما الشيعة بجميع طوائفها فحملهم السلاح متى قدروا عليه ضد المسلمين أمر معتاد تاريخيا ، والعجيب أن جميع الفرق من المسلمين سوى السلفيين غفلوا عن هذا الأمر وصدقوا دعاوى الشيعة نصرة أهل السنة ، ولن أطيل في ذلك إلا أنني أعزوا عدم رضوخ السلفيين لدعاوى الشيعة لسلفيتهم التي تقضي بعدم تصديق الكاذب ، ومن كذب عليك في أمر كان فيما سواه عليك أكذب ، وهذه القاعدة لا يُخص بها السلفيون الشيعة ، بل هي شاملة لغيرهم من الفرق كالصوفية والإباضية ، لكن اتحاد هاتين الفرقتين لاسيما الأولى مع السلفيين في مصادر التلقي جعلتهما أهون كثيرا من الشيعة ، وإن كان السلفيون يعلمون يقينا أنهما أكثر ودا للشيعة وأكثر عداء للسلفيين .
وما ذاك إلا لأن أصحاب الباطل بينهم تقارب من أجل باطلهم ، وهذا أمر أثبتته التجارب ، وتثبته حتى وقتنا القريب .
ولنترك قليلاً حرب الشيعة على المسلمين ، ولننظر إلى حرب الصوفية وبقية الجهمية التي لا يمكن لأحد إنكارها ، وهي تتمثل حاليا في الحرب الإعلامية عن طريق مراكز عديدة في مختلف العالم الإسلامي وبعضها بشكل فردي من فلان وفلان وتظهر على هيئة تسجيلات وعلى هيئة مؤلفات كما تظهر على هيئة إعادة لنشر مؤلفات قديمة في البدعة ، وما ذلك إلا لنشر الابتداع وحفظ قيمته لدى أصحابه .
والسلفيون لهم قدرتهم وصوتهم في التسجيل والنشر إلا أننا نجد السلفيين غالبا مدافعين عن منهجهم غير بادئين بالعدوان ، كما أن السلفيين لا يقدمون بدعة وإنما يحمون تراثاً .
أضف إلى ذلك أننا نجد أصحاب منهج السلف هم من يقوم بحرب التشيع وهم من يقوم بنشر الإسلام بين غير أهله فعندما تتتبّع تسجيلات السلفيين لا تجدها قاصرة عند الدفاع عن السلفية ، بل تجد الكثير الكثير في الرد على النصارى والرد على المتشيعة بأنواعهم ، وعلى سائر أهل البدع ،كما تجد منها الكثير في نشر الإسلام ، بينما نجد غير السلفيين مقصورة تسجيلاتهم الكثيرة على الافتراء على السلفيين ، سواء أكانوا شيعة بأنواعها ، أم طرقيين بمختلف طرقهم ، أم كلاميين ، والمكيدة العظيمة بأهل السنة جعلت منهم فرقاً حديثة كالنكرانيين الذين يزعمون أنهم قرآنيون ، وهم أبعد الناس عن اتباع القرآن والمتحذلقون بتفسير القرآن بأهوائهم وغير ذلك من الفرق التي قد لا نعرف منها إلا شخصاً واحداً لكنه اشتهر بسبب سهولة الوصول التي تميز بها إعلام عصرنا الحديث .
وربما نقول إن ذلك التواطؤ العالمي لم يكن إلا بعد الثورة الخمينية لأسباب قد أتحدث عنها لاحقا.
وما ينبغي أن يتعجب الجميع منه ،هو كيف أُوقِعت هذه المكيدة العظيمة بأهل السنة ثم هاهم ينجون منها بفضل الله تعالى ، بل أصبح أهل السنة ٍعلى الحقيقة أقوى من يوم بدء هذه المكيدة قبل ثمانية وأربعين عاما .
وليس ينقص أهلَ السنة اليوم إلا أمرٌ واحد ، وهو أن يَعرفوا أنفسهم ، أو لنقل يعرف أكثرهم نفسه ، ذلك أن أكثر أهل السنة المنتشرين في أنحاء الأرض لا يعرفون أنفسهم ، أي لا يشعرون بحقيقة انتمائهم إلى أهل السنة والجماعة لظروف مختلفة ، فبعضهم نشأ في بيئة متصوفة ، فهو لازال يعتقد أنه صوفي ويتعصب للصوفية وللأشعرية أو الماتريدية ، وحين تسأله عن خرافات الصوفية لا تجده يعرف منها إلا القليل ، أو لا يعرف سوى الصور القليلة التي لا تُعَرِّفُ الصوفي على الحقيقة ، كالحلف بغير الله ، وكتبجيل بعض أصحاب المقامات ، وحين تسأله عن هؤلاء الذين يُبَجِّلهم تجد أنهم عنده بشر موتى في حاجة إلى الدعاء لا يسمعون كلام الناس فضلاً عن كونهم يستجيبون لهم إذا دعوهم ، وهم في حاجة إلى الأَحْيَاءِ وليس الأحياءُ هم من يحتاجون إليهم ، كما أنهم لا يؤمنون بسلطان أحد عليهم كسلطان الشيخ الذي يعتبره المتصوفة متسلطاً عليهم وهم عنده كالميت بين يدي مغسله ، إلى غير تلك العقائد التي لا يعرفها الرجل أو المرأة لكنهم إذا سئلوا قالوا نحن على ما تركنا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، حتى إن مشايخ الصوفية لم يعودوا يجرؤون على مخاطبتهم بتعاليمها لأنهم يعلمون أنها ستجعلهم محط سُخرية ؛ وقد فعلوا بأحد الصوفيين في وقتنا الحاضر من السخرية ما تضحك منه الثكلى ، حين جاهر بما يُسِرُّ به سواه وقال إنه مأذون له في التفسير من رسول الله صلى الله عليه وسلم مباشرة ، وأسس طريقة تخصه في التصوف سماها الطريقة اليُسرية .
المهم أن أكثر العامة من الصوفية هذه الأيام هم في حقيقتهم من أهل السنة وإن عَادَوا السنة جهلاً وانتصروا للصوفية تقليدا .
ولم يكن هذا الشعور شعورَ الناس قبل قيام الثورة الإيرانية عام ١٣٩٩هـ حيث كانوا بين منصرفٍ عن الدين بالكلية لَمَّا وجد أهله منغمسين في الخرافة ، وهؤلاء في عموم البلاد الإسلامية هم الكثرة الكاثرة خلا السعودية ، وأقول ذلك عن واقع عايشته ،وإن كنتُ صغيراً إلا أنني أفقهه آن ذاك ؛ وبين سلفيين قليل كانوا في ذلك الزمن في غالبهم من ثمار جامعات السعودية ومعاهدها العلمية ومناشط وزارة الشؤون الإسلامية وإدارة البحوث ؛ ولم يكن هناك سلفيون في الغالب غير هؤلاء ، والبقية كانوا صوفية كلمة ومعنى .
ولم يكن في حساب أهل السنة أن يصبح وضعهم كما هو اليوم ؛ في كل بلد هم فيه الأكثرية والسادة ، وهم الذين تشغل بعض المؤسسات نفسها بمحاولة حربهم ، وذلك إما عن فهمٍ خاطىءٍ من قبلهم وإما عن كيدٍ عامدٍ ضدهم ؛ وكذلك عدد من الدول الكبرى غير المسلمة التي نشطت في العمل كي تقلص من قدرهم .
نعم هم المتسيدون الغالبون في كل البلاد الإسلامية ، وأعني السلفيين ولا أعني غيرهم ، سواء أسموا أنفسهم سلفيين أم سموا أنفسهم صوفيين ، ولا يَعْرِفُون عن كونهم سلفيين لأنهم لم ينتموا للسلفيين يوما ما ،وطيلةَ تاريخهم الماضي لا يعرفون عن آبائهم إلا الانتساب إلى الصوفية .
أما الانتساب إلى الأشاعرة والماتريدية فكان العلماء يفعلونه ، أما العامة فلا يعرفونه أصلاً ،ويبدو أن العلماء لا يلقنونهم أياه ، وذلك أن الصوفية في كثيرٍ من مناماتهم وأقوالهم يُشعِرُونك بالتجسيم ، وهو مناقض للأشعرية والماتريدية، ومناقض أيضا للصوفية لكن الصوفية لا تستنكف من التناقضات.
نعود إلى الحرب على السنة ، لنجد أنها كبرت بشكل عظيم ؛ وما ذلك إلا لعظمها اليوم ، واكتساحها البلاد ؛ وفي مثل هذا السياق أحب دائما أن أذكر قول أحد قادة مراكز البحث العالمية ، ويفوتني اليوم اسمه ؛ قال : كنا نتعجب من أن المسلمين الجدد يكونون سلفيين حتى ولو كان إسلامهم على يد الشيعة أو الصوفية ، ولم نجد لذلك سببا سوى منهجهم في الإلهيات .
وأقول : نعم إن منهج السلفيين اليسير في المباحث المتعلقة بذات الله منهج دقيق ويسير ومقنع ؛ وألف مايكل محمد كينت كتابه : لماذا أنا سلفي على أساس هذه الفكرة ، وهو أمريكي اعتنق الإسلام سنة ١٤١٣هـ ولعليّ لا أتفق معه في بعض ما ذهب إليه ، إلا أنه أستاذ جامعة سلفي.
والحرب على أهل السنة السلفية تطورت حين رأت الولايات المتحدة أنها خطر عليها ، ولا أعلم كيف رأت ذلك مع أن السعودية وهي الدولة الداعمة للسلفية كانت وما زالت تتعامل مع الولايات المتحدة كدولة صديقة ولها عشرات المبتعثين هناك ، لكن هذا ما حصل، فدعمت أمريكا إيرانَ بشكل كبير ؛ كما أن إيران دعمت أمريكا أيضا بشكل كبير ، لكن ذلك الدعم المتبادل لم يُجْد شيئا ، وتحول اليوم إلى حرب.
ليس ههنا الحديث عنها ؛ لكنني أتحدث عن السلفية التي لا تزال الحرب مشنونة عليها بالشكل الأول نفسه الذي بدأت به إيران ، ويتمثل في دعم الجماعات الخارجة وتسليط الكُتَّاب من كل البلدان على السلفية ، فينقلبُ الأمر على عكس ما أريد وتصبح السلفية بدلاً عن الضعف المراد لها القوة الأكبر في التيارات الإسلامية ، وتكون هي التيار الجارف الذي قرأت لأحد من يحمل لواء مواجهته في مصر إقراراً بخطورة تلك المواجهة، ولا أعلم ماذا يعني بخطورة المواجهة ، لكنها عندي تعني قوة السلفيين في حجتهم من الكتاب والسنة ، كما تعني قدرتهم العقلية التي ليست عند أحد من أتباع الفرق الأخرى .
ونحن نرجوا من الله تعالي أن يديم نصر السلفية ، لأن المجتمع المسلم بغيرها لن يصل إلى ما يأمله من الرخاء والسعادة ، وهاهم الناس منذ القرون الماضيات يحاولون ذلك بشتى الوسائل فلم يتمكنوا ، وحاوله السعوديون بالسلفية فتحقق لهم ذلك في بضع عشرة سنة في أيام الإمام محمد بن سعود ، وبعدها مرة أخرى في أيام الإمام تركي بن عبد الله وبعدها في أيام الإمام والملك عبد العزيز بن عبد الرحمن .
ولم يكن انقطاع الحكم في العهدين ما بين الدولة السعودية الأولى والثانية وبين الدولة الثانية والثالثة إلا فترة وجيزة لا تسمى بمقاييس الدول انقطاعاً ، إلا أنها كانت في الحقيقة نصراً من زاوية أخري إذ كان هذا الانقطاع سبباً في نجاح الدولة في النهوض مرتين أخريين .
وانتصار السلفية اليوم رغم ما يحيط بها من كل اتجاه ، ما هو إلا دلالة واضحة على قوتها الذاتية التي ننصح الناس بامتثالها إذا كانوا يريدون لأنفسهم العز والرخاء ، فأنت ترى الجهد الإيراني والجهد الصوفي والجهد الأشعري والماتريدي والإباضي رغم تحالفهم على السلفية سراً وإن كانوا متناقضين في مذاهبهم إلا أننا نرى السلفية تبرز واضحة كلما ضُيِّق عليها الخناق .
ولو أنهم نظروا اليوم لأنفسهم على أنهم هم المنتصر ، أعني السلفيين لما وجدنا منهم هذا الحدب وهذا الجد وهذا الإخلاص في الدفاع عن عقيدتهم ومناصرتها ،لكنهم عانوا حقاً من كثرة المتداخلين بالشبه على عقيدتهم وعباداتهم وأخلاقهم فبدأوا بالرد من كل مكان ، حتى جاءت الردود على الشبهات من بلاد لم يكن أحد يتصور أن يحامي منها أحد عن السلفية إما لأعجميتها كالهند وباكستان وبنقلادش ، وإما لهذه الأعجمية وكذلك شدة دولها على السلفية وإما لانشغالها بالحروب كسورها ، وإما لعظم تيار التصوف فيها كالسودان ، فجاءت الردود والدعوة إلى منهج السلف ، ولم يكن لأصحاب الشبه حجة قائمة فبان عجزهم وأقام الله الدين ونصره والحمد لله رب العالمين.
ومن أبرز الشبهات التي تعمد الأضداد إثارتها وكانت مثيرة لشيء من اللبس شبهة عداوة السلفيين بعضهم لبعض ، وهو حق لكن لا يمكن أن يقول ذلك من يبرؤ فريقه من هذا ، فالعداوة علة ذكر الله تعالى أنه يغري بها كل من نسي حظا مما ذكره الله به حين قال:﴿وَمِنَ الَّذينَ قالوا إِنّا نَصارى أَخَذنا ميثاقَهُم فَنَسوا حَظًّا مِمّا ذُكِّروا بِهِ فَأَغرَينا بَينَهُمُ العَداوَةَ وَالبَغضاءَ إِلى يَومِ القِيامَةِ وَسَوفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِما كانوا يَصنَعونَ﴾ [المائدة: ١٤] ولا شك أن السلفيين أقل عداوة لبعضهم وإن وجدت بينهم الغيبة والنميمة والكيد لكنها فتنة الدنيا لبعضهم أعاذنا الله منها ، وهم أكثر رحمة لبعضهم ولغيرهم من المسلمين ، وسبب شيوع التعادي عنهم وقلة شيوعه عن غيرهم رغم تأصله فيهم هو صراحتهم في ذلك وظنهم خطأ أن هذا من منهج السلف ، واستدلالهم على ما يذهبون إليه بأدلة غير صحيحة وبأعمال أناس ليسوا هم محل استدلال ، ولست هنا في مقام عرض أدلتهم والرد عليها لكن في مقام بيان قولهم وأنه لا يمثل السلفية ، بل يمثل طائفة من السلفيين ، هم في الواقع ينكرون سلفية من خالفهم لظنهم أن قولهم ذلك من منهج السلف الذي من خالفه فليس منه ، والحق أن من وافق قولهم هذا لا يخرج من السلفية لكنه لم يتبع السلف في هذا الأمر .
ومن السلفيين من أخطأ أخطاء فادحة ومتباينة في التكفير ، فمنهم من لا يكفر أحداً مطلقا ، ويرى العذر بالجهل في كل الأحوال فجميع من دعا غير الله كعبد القادر الجيلاني والعيدروس وابن عجيبة أو علياً بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله والحسين علي رضي الله عنهم أو استعان بهم أو ذبح لهم أو عند قبورهم في كل الأحوال لا يُكَفَّر حتى تقوم عليه الحجة ، ولا يقولون متى تقوم الحجة عليه ، وآخرون يقطعون بكفر كل من دعا غير الله أو استعان به أو حلف به أو ذبح له ، وهم يناقضون من قبلهم مناقضة تامة ، والحق أن دعاء غير الله والذبح له صرف لبعض العبادة لغير الله ، وصرفها لغيره من حيث الأصل كفر به ، لكن لا يحكم بكفر فاعله حتى يُعَلَّم ، وتقام عليه الحجة ، والحكم ببلوغ الحجة إليه لا يكون إلا بدعوى عند عالم كبير أو قاض معتبر ، كما أن دعوى علمه بعد بلوغ الحجة لا بد أن يراعى فيها عدد من الأمور كسطوة البيئة التي نشأ فيها عليه وشيوخه الذين يحيطون به وغير ذلك من الأمور التي تضعف حجتنا عنده ولا تقوم في نظره ، وهو قد يكون عند الله كافراً لكنه عندنا ليس كذلك لعدم يقيننا ، والكفر أمر يطلب اليقين .
كذلك الحاكم أيا كان ، يرى البعض أنه واجب الطاعة لكونه ولي أمر لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم)
وآخرون لا يرون لحاكم بيعة أصلاً مالم يكن عن شورى ، لذى يرون الخروج على الحكام ، ومنهم من يري كفرهم لكونهم لا يحكمون الشريعة ، وهذان الفريقان متناقضان خارجان عن الحق ولو أنهم نادوا على أنفسهم بأنهم سلفيون ، والصواب أن بعض الحكام المسلمين في هذه الأيام لا يعظمون الشريعة ولا يقيمون لها قدرا بل وينصون على مخالفتها في أبواب عديدة وبعضهم في كل الأبواب ، وولي الأمر لقب شرعي فلا يطلق على منهجه ، لكن مع ذلك فلا يجوز الخروج عليهم لأمور : أحدها :أن المفاسد الحاصلة بالخروج أعظم من المصالح ، وهذا أمر عرفته جميع البلاد التي حصل فيها الخروج ، ولا يستثنى منها سوى سوريا إذا لم ننظر للسنوات الأربع عشرة التي كانت بين الثورة ونجاحها ، أما إذا نظرنا إلى هذه السنوات وما حدث فيهن من ضرر عظيم على النفوس والأموال والأعراض والدين فلا يمكننا استثناءها لا سيما والضرر ممتد حتى بعد سقوط نظام بشار إذ لا يزال المهجرون في مهاجرهم ، ولا تزال الدولة ضعيفة جداً ، لكننا نحمد الله تعالى على انتصارهم ونسأله حسن العاقبة .
الثاني: ضعف الثائرين جدا عن مقاومة العساكر ، وهذا عُرف في جميع الثورات حتى إنها لم تنجح ثورة دون مقاومة العسكر سوى في حالتين كان اختيار الرئيس وربما حكمته هو عدم المقاومة ؛ ومع نجاح الثورة في تلك البلدين وأعني تونس ومصر إلا أن النتيجة لم تكن أحسن من السابق ، وذلك للأمر الثالث وهو : أن الثائرين لا ينادون بالشريعة ولا يجرؤون على المناداة بها ، فتبقى الهيمنة للعلمانيين ومن قاربهم ، وبذلك لا يحصل فرق بين العهدين ، الأمر الرابع : عدم قيام الناس بواجبهم وهو العمل بالشريعة في أنفسهم ، وهي الطريقة الشرعية الصحيحة للتغيير ، فنرى الناس في عمومهم على أسوء حال قبل الثورة وبعدها ، وحين يحاولون الإصلاح نجد معظمهم يسعى لإقرار البدع وإقامتها ، وبذلك تزيد بأساؤهم نسأل الله أن يعافينا وإياهم .
وننتقل ألى مذهب آخر من المذاهب التي انبثقت عن السلفية ، وتوجه أهله سلفي الأصول إلا أنهم أخطأوا في جانب التكفير أيضا ، إذ كفروا العلماء الكبار الذين خالفوا السلفيين في مسائل الصفات كعلو الله الذي نفوه وقالوا إن الله تعالى في كل مكان ، أو صفة الاستواء التي أنكروها ، وقالوا إنها بمعنى الاستيلاء ، وكذلك نفوا صفت اليدين والرضا والغضب وغيرها من الصفات .
وما فعلوا ذلك إلا تأويلاً لا يعذرون عليه لعلمهم باللغة وغيرها من العلوم التي توجب لهم معرفة صفات الباري كما وصف بها نفسه أو وصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم ، ولكنهم يجنبونهم التكفير لمعرفتهم بعلمهم وأنهم بهذا العلم خدموا الإسلام والمسلمين لكنهم أخطأوا في اقتحامهم بعقولهم عالم الغيب الذي اختص الله بعلمه وأخذوا يتأولون آيات القرآن من أجل معرفة كيفيته ، وهذا التأويل يستحقون الإثم عليه ولا يكفرون إلا إن كانوا علموا بحقيقة تأويله لكنهم جحدوها نصراً لأنفسهم ، وهذا النصر للنفس لا يمكننا القول به إذ لا يعلم ما في النفوس إلا الله .
وقام بعض السلفيين بتكفير هؤلاء العلماء ونصوا على أسمائهم ، ومنهم من أحرق مؤلفاتهم التي أعزّ الله بها الإسلام ، وهم بهذا الفعل يخرجون عن منهج السلف في هذه الجزئية ويستحقون التأديب عليها لخطورة قولهم لا سيما في هذا الزمن .
ومما تقدم نعلم أن الغلو في الدين أو في أي جزئية من جزئياته هو تجنبٌ لفهم السلف ، وهو خروج عن منهجهم ، ولا يمكن أن يقال إن السلفيين اختلفوا لكون منهم من يرى رأيا غاليا والله أعلم .














![بناء الشخصية السلفية في ظل المتغيرات[محاضرة مفرغة]](https://i2.wp.com/mail.mohamadalsaidi.com/wp-content/uploads/2020/06/EE3D1CE0-F756-4577-B03E-79D00D1B6105-e1591160555879.jpeg?fit=300%2C200&ssl=1)




![الثقافة بين الثوابت والمتغيرات [ورقة عمل]](https://i0.wp.com/mail.mohamadalsaidi.com/wp-content/uploads/2016/05/image-3-e1462922547584.jpeg?fit=300%2C300&ssl=1)
التعليقات